عين على الفن التشكيلى
  الأخبار التشكيلية
 



القدس العربى

نجا المهداوي حاملاً المعمار الحروفي المعاصر للخط العربي
الرسام التونسي العائد إلى غاليري رافيا:
أنور بدر
2011-03-14

 
دمشق 'القدس العربي': يُعتبر الفنان التشكيلي نجا مهداوي من أبرز الفنانين العرب المعاصرين, وقد سبق للجمهور السوري أن أطل جزئياً على تجربته من خلال المعرض الجماعي لافتتاح صالة غاليري رافيا في نيسان / إبريل من عام 2009, لكنه الآن يعود إلى دمشق بمعرض شخصي مستقل, عاد ليفاجئنا بلوحات لم نعهدها سابقا في الحروفيات العربية, أو ما يعرف بفن الخط العربي ومدارسه التقليدية.
ففي هذا المعرض الذي افتتح يوم الاثنين 28/2/ 2011م في غاليري رافيا والذي يستمر حتى 26 آذار/ مارس الحالي, كنا في غابة من الحروف والكلمات وأحيانا أجزاء مبتسرة لحروف وكلمات لم تكتمل, ولم نكن معنيين أصلا باكتمالها, طالما أننا غير معنيين أساساً بقراءة دلالاتها اللفظية كما تعودنا في اللوحات الخطية التي ألفناها سابقا, فالمهداوي ينجح في تحطيم القيمة الدلالية للكلمة أو العبارة لصالح قيم جمالية جديدة أكثر معاصرة وأكثر دفأً روحياً, انطلاقا من فهم مغاير لعلاقة الرمز بالمعنى , حيث تصبح الحروف بل أجزاء الحروف إشارات رمزية وتيمات جمالية بنفس الوقت, يعيد المهداوي تشكيلها في نسيج فني صوفي أعمق وأكثر دلالة.
هذه الصوفية التي قادته الآن لزيارة مقام ابن عربي في دمشق, بعدما ألف كتابه 'سيد العشق' عن رحلة محي الدين ابن عربي في طريقه للقدس ومكة ووقوفه في تونس , نلك الرحلة التي شكلت أحد مصادر ثقافته الأولى التي ساهمت في توجهه نحو الخط العربي كفن وذائقة بصرية, ضمن البيئة الثقافية التي احتضنت طفولته في تونس, لكن وعيه لعلاقة الخط بالفن, أو لوظيفة هذا الخط فنيا بدأت من معرض جماعي في روما, شارك فيه وهو طالبا في أكاديمية 'سانتا أندريا' ليكتشف من خلال زملائه في المعرض الخصوصية الكورية واليابانية في الفن, إلا أن سؤال الخصوصية لديه لم يدفعه للإرتكاس باتجاهات الماضي المنغلقة على زمنها, بقدر ما دفعه لتوظيف المخزون الفني في ثقافتنا والإرث المبني على الزخرفة الخطية باتجاه إعادة توليف معاصرة للّوحة الخطية التي تشكل انفتاحا على البعد الإنساني وثقافات الشعوب.
لذلك تعددت أساليب اشتغاله ما بين الغرافيك والطباعة الحرارية على الورق إلى الرسم على الجلد وليس انتهاءً بالرسم على الزجاج أو المعدن, من تصميم بعض المشاريع الفنية في إطار المسرح الراقص, إلى رسوماته التي زينت هوامش الترجمة الفرنسية من كتاب 'ألف ليلة وليلة' وصولا إلى كتابه 'مراتب العشق' مع الكاتبة والروائية رجاء بن عالم من السعودية عن 'ألف ليلة وليلة' أيضا, كما صمم أعمالاً فنية هامة في مطاريْ جدة والرياض بالمملكة العربية السعودية، وكذلك أعماله على طائرات شركة طيران الخليج Gulf Air, إيمانا بأنها رسالة حضارية موجهة للآخر.
وقد أثار فضولي في هذا المعرض تلك التوظيفات اللونية الصغيرة في مساحة من التخطيطات الهندسية التي رسمت بالأبيض والأسود, مساحات, ألوان لم تكن وظيفتها كسر الإيقاع اللوني فقط, بل الذهاب بنا إلى مساحات حسية أبعد في آلية التلقي الجمالي. رغم وجود لوحات أخرى ملونة, خاصة في مجموعة حجاز 2010 وكذلك الأمر في لوحة 'ميلتا' 2005 المنفذة بالحبر الهندي والإكليريك على القماش, وعموما تحيلنا تلك الأعمال أكثر إلى البنية الهندسية لّلوحة, في علاقة هذه البنية مع التجريد الهندسي في الثقافة العربية, وعلاقة الخط العربي تحديدا بالتجريد الصوفي في هذه الثقافة, لينتج مزيجا رائعا من رمزية خطية في فضاء تجريدي, فلا الحرف ساعٍ إلى المعنى ولا ذاك بادٍ في الرسمِ, مما يؤكد أسبقية هذه الاتجاهات التجريدية, على التجريد الغربي المعاصر.
وإن سبق للفنان والناقد الجزائري محمد بو كرش أن اعتبر مهداوي مؤسس المدرسة التكعيبية, فإنما يشير ذلك إلى البعد المعاصر في تقنية اشتغال المهداوي على فن الخط, تقنية تبتعد عن الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة في الخط الكوفي, لصالح الانحناءات اللدنة والميول المنسابة في خطوط الثلث والديواني, لتخلق ذلك التضاد والتعشق الحركي بآن مع البناء الهندسي والخطوط المستقيمة التي تنهض في سطح اللوحة لاغيةً الفراغ من مساحة الرؤية, بعكس ما اعتدناه سابقا في لوحات الخط التي كانت تقودنا عنوة للبحث عن معنى العبارة أو الحكمة التي سُطرت في مساحة يُفضل أن تبقى فارغة كي لا تشاغل الناظر إليها خارج حدود المعنى.
وفي هذا القطع مع الحروفية التقليدية وآليات تلقيها فنيا, يكمن التجديد الإبداعي للفنان نجا مهداوي, الذي استعاض عن شاعرية القول بشاعرية الرمز التشكيلي, وعن إيقاع الدلالة بالإيقاع الحسي والتجريدي الكامن في حركة الحروف والكلمات.
والمهداوي من مواليد في 1937تونس، تخرج من أكاديمية في روما، ومن معهد متحف اللوفر في باريس في عام 1967. كما تابع تدريبه الأكاديمي في المدينة الدولية للفنون Cite Internationale des Arts في باريس، بموجب منحة زمالة من الحكومة التونسية. لكنه لأصر أن يعود إلى هويته الجغرافية والثقافية المحلية, في محاولة لإعادة تقديمها بإهاب حداثي ومعاصر, يتيح لها إمكانيات التفاعل والتطور في فضاءآت ثقافية أكثر غنى وشمولية.
 
 


'ظاهرة الاغتراب في التصوير المعاصر' لفاروق وهبة: الميتافيزيقا الرافد الأهم لتأصيل عالم الفنان وتوسيعه
2011-06-14

 
القاهرة ـ 'القدس العربي' ـ من محمود قرني عن مشروع 'مكتبة الأسرة' صدر للدكتور فاروق وهبة كتابه 'ظاهرة الاغتراب في التصوير المعاصر' تدعيما وتعضيدا للتصور الذي طرحه المشروع من اهمية ترسيخ العمل حول الاهتمام بالذائقة البصرية التي يتم التعامل معها في مجتمعاتنا باعتبارها حالة ترفية يمكن الاستغناء عنها لصالح حاجيات مجتمعية اساسية.
في البداية يشير الدكتور فاروق وهبة الى مفردة الاغتراب وكيف ومتى تسللت الى واقع الدراسات الانسانية، ويتناول في هذا السياق ورودها لأول مرة في عرض جان جاك روسو لنظريته العقد الاجتماعي، ثم تطورها فيما بعد لدى كل من هيغل وماركس ثم فيلسوف الوجودية كيركيغورد. اما عن الظاهرة الاغترابية في الفن التشكيلي فيراها وهبة مشكلة تكنيكية تستند الى الجانب الاستدلالي عبر تجارب مؤثرة وجوهرية عند كثيرين مثل مارك شاجال، ودي كيريكو، وكذلك لدى آخرين في العالم الثالث، كما يشير الى انه استند في قراءته بشكل اساسي على كتاب الناقد الامريكي جيروم ستيلونتير 'دراسة جمالية وفلسفية' الذي ترجمه الدكتور فؤاد زكريا. كذلك يعتمد بشكل ما على 'بحث في علم الجمال' لجان بترليمي.
يقسم الدكتور وهبة الاغتراب الى اغتراب سيكولوجي ابداعي، تكنولوجي، ويتناول بشكل موسع الاصول النفسية للاغتراب الابداعي الذي يأتي مصدره من عدم القدرة على التكيف مع عصرنة العلم وتجلياته المروعة، ويتناول في هذا السياق السلوك الابداعي لدى الداديين الذين تعاملوا مع السلوك باعتباره مظهرا خارجيا لكل التفاعلات الداخلية والمتراكمة في اللاشعور. كذلك يتناول المؤلف الشعور واللاشعور عند السورياليين والعمليات الدفاعية للأنا عند الفنان المعاصر ومصطلح الجنون والعبقرية والحلم كرؤية فنية وتجربة الممارسة الفنية تحت تأثير المخدر.

كيف يتحول التشكيلي الى مغترب؟!

يتناول الدكتور فاروق وهبة مسألة القيم التشكيلية للاغتراب الابداعي عبر مفردة التشويه، ويرى ان حدود الرؤية اختلفت لدى الفنان المعاصر، اذا قيست بمعايير الرؤية المتعارف عليها، حيث انه لم ير الطبيعة والحياة والمجتمع بمنظار متفائل سوي، يتغلغل فيه جمال الطبيعة خاليا من تعمق الرؤية محاولا الغور داخل الاشياء باحثا ومتقصيا عن الحقيقة.
ويضيف وهبة انه باضافة رغبة الفنان في التعمق سيظهر ذلك التأثير النفسي للأحداث المتولدة من طبيعة العصر، ولكان ضروريا ان تنعكس في بحثه تلك الضراوة التي يتعامل بها الانسان في هذا العصر وان تنعكس ايضا في مخيلة الفنان، وجوه سكان هيروشيما وناغازاكي كمثير حقيقي وغني للتعبير خال ٍ من قصد التمثيل ومحاكاة الواقع ومعبر عن حجم محنة الانسان المعاصر.
ومن هنا يرى وهبة ان الفنان يمارس مسلكا فنيا يتعادل مع مفهومه، ويؤدي الى الاشباع الذي يرضاه، ولا نفاجأ اذن، بالنتائج التي يتوصل اليها الفنان، لأن التشويه، في رأيه، نتيجة مطابقة للاحساس الداخلي للفنان المعاصر، ذلك المتوعك والمندهش والمغترب.
ويتناول وهبة الفنان الانكليزي فرانسيس بيكون في هذا السياق، حيث ترتكز تجربته اساسا على فكرة التشويه، تشويه الواقع، محتميا بمبدأ الواقعية الرمزية الذي يحتوي على اتجاهه الفني، ويقول: ان مشهد طعن الممرضة العجوز هو أحد مشاهد الفتك والاغتصاب التي تضمنها فيلم 'المدمرة بتومكين' للمخرج الروسي ايزنيشتين وهو ما يدخل في التأثير النفسي المحاط بالرعب والفزع على نفس المصور بيكون ، مضافا الى العوامل الاخرى التي اتحدت معه كإحساسه القوي بظروف العصر وحروبه والعقبات التي تقف امامه لكي يمارس حريته ببساطة، فقد تحول الاحساس بالرعب والفزع الى مقدار من الرهبة والجلال في اعماله تلك التي لم تخل من الغموض ايضا.
ويضيف وهبة ان النشأة التاريخية للتشويه كحل تشكيلي عرفه الصينيون في فن الصور المشوهة واستخدموه في مجالات كثيرة وخاصة في الصور الجنسية، وقد وصل هذا الفن الى أوجه في القرن السابع عشر والثامن عشر.
ويرى وهبة ان الدوافع للفن المشوه لدى الفنان المعاصر ما زالت غامضة رغم امكانية قراءتها على اساس فسيولوجي، ويرجعها الى المثيرات البدائية غير المهذبة للغريزة، التي تدفع الفنان الى ان يرتب دوافعه في شكل من الاشكال. ويتناول المؤلف في هذا السياق لوحة 'راحة الموديل' لهنري ماتيس، يرى انه يؤكد ـ عكس ما تبديه اللوحة ـ عدم اهتمام بالموديل باعتباره كائنا حيا وعدم اهتمامه ايضا بالمنظر من اجل خصائصه البنائية، ولكن هذه الاشياء في جملتها بعثت في ذهنه تخطيطا معينا يتصل بالحدس الأكثر حيوية تجاه الطبيعة، ويرى ايضا ان لوحة 'نساء افنيون' لبيكاسو لم تكن مجرد محاولة من الفنان لهضم التراث الزنجي بقدر ما كانت محاولة لتمزيق القشرة التي تكسو الواقع، مضافا اليها رغبة الفنان في التحطيم واختراق المجهول.
يتناول فاروق وهبة أيضاً ظاهرة التحريف، ويضرب مثالا عليه الفن التجريدي الذي حرق الأنموذج وظهر ذلك بوضوح في التكعيبية التي تجزأ فيها الوجه والجسم الى سطوح كثيرة.

الميتافيزيقا وتعميق رؤية الفنان

في هذا الباب يتطرق وهبة الى ذلك السؤال الذي طرحته الفلسفة الميتافيزيقية وكيفية استفادة الفنان المعاصر منه كأساس لتعميق الرؤية الفنية وشمولها وكأساس لتحديد علاقته بالعلم الذي يعيشه، وتتركز الفلسفة الميتافيزيقية ـ حسب تعريف وهبة ـ في ان أي تفسير للموجود في مجموعه ما هو الا ميتافيزيقا والموجود في مجموعه يقصد به ما هو كائن ومحسوس وهذا هو السبب في ان كل نزعة انسانية تتأسس في ميتافيزيقا، او هي نفسها اساس لميتافيزيقا، وذلك لأن كل تحديد لماهية الانسان هو تفسير للوجود وبالتالي فهو تحديد ميتافيزيقي، ولهذا السبب تظل كل نزعة انسانية ميتافيزيقية في حد ذاتها. ويضيف فاروق وهبة ان الفلسفة الميتافيزيقية وضعت امام الفنان المعاصر حدودا فكرية جديدة ومحورا يرتكز عليه من خلال تساؤلاته الكثيرة، التي نتجت من الظروف المغايرة التي حلت بالمجتمع المعاصر، ويتناول نموذج الاغتراب لدى مارك شاغال المولود في روسيا عام 1887، ويرى ان أهم ما يميز ظاهرة الاغتراب لدى عدم انطباق قانون الجاذبية الارضية على اعماله فليس هناك اختلاف بين الارض والسماء، فالاشخاص والاشياء دائما سابحة وغير مرتكزة على شيء وهو ما يؤكد عدم انتمائه الى ارض او ركيزة.
أما الاغتراب عند كيريكو فيتبدى في الشعور السائد بالتشاؤم، فهناك ـ كما يرصد وهبة ـ شبه حياة تشيع في الصورة، ولا يمكن تصديقها، خلال قائمة طويلة، تذهب في مكان غير مناسب وغير متعلق بها وشبح قاطرة يتكرر مرة واخرى في الصورة ويمر في مقدمة الصورة او عكس خط الافق ويترك آثارا غريبة. ورغم ذلك يرى وهبة ان هناك حقيقة فنية مهمة في اعمال كيريكو وهي احساسه القوي بالتصميم، اذ انه اكتسب هذا من صلاته بالتكعيبيين، وكان لهذا اثر كبير في تقوية العناصر الفنية لعمله اكثر من اضعافها.
 
اغتراب الفنان العالم ثالثي
 
أما عن اغتراب فنان العالم الثالث، فيرى فاروق وهبة انه بعد انهيار الحدود السياسية التي كانت تستبعد قطاعا كبيرا من سكان هذا العالم، وتضعه في اطار التخلف وبعد صراعات كبيرة من اجل التخلص من ذلك الاتهام لابراز حدود القيمة التي تملأ نفس ذلك الانسان المقهور، برز وتألق جناح كبير من اجنحة هذا العالم، حيث الرغبة في تعويض الماضي والاعتداد بالحاضر، وهذه هي صورة العالم الثالث الراهنة التي يراها وهبة. ويشير هنا الى بعض هذه الوجوه الاحتفائية في البحث في الخلفية التاريخية لعمليات النضال في امريكا اللاتينية وقدرتها على التعبير عن ذاتها، كذلك ما استقبل به مفهوم الزنوجة الذي ذاع في افريقيا على يد سنغور وسيزار وسارتر وكان القصد به اشتراك كل مناضلي قارة افريقيا مع بعض الفلاسفة والمفكرين في احياء كيان سكان القارة الوطنيين، زنوج افريقيا، بعد ان ظلوا دهورا عبيدا وخدما.
ورغم ذلك فان وهبة يشير ويتوقف طويلا امام التمزق الفكري والثقافي الذي صاحب انهيار صعود العالم الثالث وهو ما انعكس على فنانه حتى انه اصبح غريبا عن كل فكرة يود الانتماء اليها وان كان نضاله منصبا على استرداد فكرة القومية. ويرى وهبة ان الحل هو توضيح ماهية هذه الثقافة القومية والفن القومي والدفاع عنهما ضد الاغراءات الغربية، بل العمل على إحياء فكرة القومية، حيث اصابها الدمار في البلاد التي خضعت لحكم الاستعمار. ويضيف انه على الفنان العودة الى شعبه بالالتزام السياسي الذي يستهدف الاستقلال، والالتزام هنا ـ كما يعني وهبة ـ ان تتحدد داخل الفنان جميع الدوافع الفنية والسياسية معا من اجل تحقيق عمل فني ملتزم. في الهند مثلا ناضل الفنان ضد اعادة الثقافة الغربية دفاعا عن الالتزام بفكرة القومية وحاول الفن احياء التراث الروحي الثقافي القديم وأساليبه الفنية التعبيرية في مواجهة الاشكال المادية الغربية.
ويؤكد وهبة ان فكرة العالمية في الفن لا تعني التضحية بالشخصية الخاصة وتعقبها حتى تختفي، فالشخصية الفنية حين تظهر فانها تظهر استجابة لتأثير المناخ والبيئة الطبيعية ومزاج الفنان الشخصي، لا نتيجة لأمر يفهم على انه هدف لعملية الابداع، فالشخصية القومية شيء ينبثق من خلال التقاليد اللاشعورية في الفنان خلال بحثه عن الفن وراء حدود القومية.
بقي القول ان الكتاب يقع في 135 صفحة من القطع الكبير بالاضافة الى ملحق لعدد من الاعمال الفنية للفنانين الذين شملهم البحث، وصدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع 'مكتبة الاسرة'.


جريدة القدس العربى 15/06/2011
 


 

لوحة لبيكاسو بأكثر من 21 مليون دولار

2011-06-22


 لندن ـ يو بي أي: بيعت لوحة للرسام الأسباني بابلو بيكاسو، نادراً ما شوهدت من قبل، في مزاد علني أقامته دار 'كريستيز' للمزادات العلنية في العاصمة البريطانية لندن مقابل أكثر من 21 مليون دولار.
وأفادت هيئة الإذاعة البريطانية 'بي بي سسي' ان اللوحة التي تحمل اسم 'فتاة شابة نائمة' والتي رسمها بيكاسو لحبيبته في العام 1935 بيعت بـ21.8 مليون دولار في حين لم تكن التوقعات أكثر من 19.4 مليون دولار.
وأوضحت ان شخصا مجهولاً تبرع بالقطعة الفنية لجامعة سيدني الأسترالية التي تبيعها ليعود ريعها لدعم صندوق الأبحاث الصحية فيها.
وقالت جيوفانا بيرتازنا من دار 'كريستيز' التي أقامت المزاد ان هذه اللوحة 'جوهرة حقيقية'، فيما قال الدكتور مايكل سبنس من جامعة سيدني ان هذه اللوحة كانت 'هدية كريمة جداً' من شخص مجهول.
وأضاف سبنس 'نحن ممتنون لهذا الكرم المذهل ونشعر بالسعادة لنتيجة المزاد هذه'. وأوضح ان المال سيستخدم لإجراء أبحاث متعلقة بالبدانة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية

الفنان الحبيب بيدة..المسيرة والاثر (د. فاتح بن عامر)
الحبيب بيدة قيمة علمية ومعرفيّة نادرة الوجود وقيمة فنّية إبداعيّة متفرّدة لها مكانتها وفنّها الرّاقي وقيمتها الإنسانيّة الرّفيعة. إنّه الباحث العلمي الدّقيق الجامع بين حاضنتين ثقافيّتين مختلفتين، ما بين غربي وعربي، شرقيّ وأوروبيّ، والدّارس للتّراث والمحدّث في الفنّ، إنّه المجدّد في الدّرس والبحث والباعث للتّجريب مجالا بحثيّا وتشكيليّا. إنّه الفنّان الّذي يتوق إلى إعتاق الذّات وتحقيق الانعتاق ومعانقة المطلق الفسيح من التّعبير عن الحاجة الإنسانيّة للمغامرة والإبداع وللبوح بالدّفين من مكنونات الوجود الكامن في المخلوق. الحبيب بيدة الإنسان العطوف والبشوش، صاحب الصّدر الرّحب والقبول الحسن، الغضوب بلين والودود في الشّدة، الصّديق الّذي لا يتخلّف عن الواجب، لا يتوانى عن مدّ العون ولا يتأخّر في استشارة أو رأي. وهو كذلك النّقابي في الرّؤية والمقاربة. آمن بالعمل الفردي فبحث وبحث ودرس وتدارس. وتعلّقت همّته بأعلى المراتب فنالها وأضحى ثاني عربيّ يتحصّل على شهادة دكتوراه الدّولة بعد عفيف بهنسي. وآمن بالعمل الجماعي فكان عونا لزملائه ودرعا لطلبته ووساما على صدر الباحثين تحت إشرافه، لأنّه لم يكن أبدا من فئة المؤطّرين الدّكتاتوريين المستبدّين في زمن يصير فيه التّسجيل بالدّكتوراه نوعا من العبوديّة الجديدة. يحب أصدقاءه، يقدّم معارضهم، فيضحّي بالوقت والأعصاب من أجل إخصاب تجاربهم... لذلك ساهم في تقدّم الفنون التّشكيليّة بالبلاد من خلال مقالاته ونقده وتصوّراته الّتي لا يخفيها عن أحد ولا يستأثر بها لنفسه.
 

بيدة المبدع

حين قرّر الحبيب بيدة أن يكون فنّانا تشكيليّا، اختار أن يكون الرّسم تقنيته، رغم أنّه متحصل على شهادة الأستاذيّة في الفنون التّشكيليّة اختصاص خزف. وأعتقد أنّ لهذا التّكوين في الخزف أثر كبير على تجربة الفنّان وعلى مسارها مهما كانت المراحل الّتي مرّ بها وتجاوزها أو استبقى منها بعضا من الخصائص والمكوّنات. وفضّل الفنّان الشّاب الّذي عاش تقلّبات نهاية السّتينات يافعا وكامل السّبعينات مدركا واعيا أن يكون الفنّ الّذي يقدّم غير معزول عن ساحة الأحداث الثّقافيّة المحليّة والدّوليّة الإقليميّة والعالميّة. كانت بداياته التّشكيليّة بحثا حقيقيّا عن الذّات. مطمح شرعيّ لكلّ شابّ تواجهه مفترقات الاختيار في الحياة. كيف يتمّ خبر الذّات ودفعها إلى ممارسة الوجود وكيف تكون هذه الذّات جديرة بالوجود فتظفر به ؟ الذّات ... الخلق .. الإبداع.... ثالوث يصعب للمرء الإقامة بين أضلاعه. هذا هو الموقف الصّعب الّذي يقفه كلّ فنّان أراد أن يكون فنّه مرتبطا به عاكسا ذاتيّته وخصوصيّته وفرادته. وهي مسائل تطلب ذاتها كي يكون الإبداع أصيلا وكي تكون الذّات المبدعة حرّة طليقة لا ترتهن لغير قيمتها المطلقة في الوجود.
كانت بدايات الحبيب بيدة التّشكيليّة حوارا إبداعيّا مع التّراث من خلال عمليّة (قيل عنها) إحياء التّراث والتّعامل معه على أساس أنّه خزّان هائل من العلامات والقرافيزمات الّتي يمكن أن تكون بديلا عن مقاربة المشهدي والعامّي من المواضيع المبتذلة والمتداولة في تاريخ الفنون التّشكيليّة التّونسيّة. وهو اختيار مشترك مع أبناء جيله من الفنّانين التّشكيليّن الّذين حرّكهم الاعتقاد في اعتبار التراث مادّة حيّة يمكن أن يلوذوا به من تمغرب هم في غنى عنه. وليس ذلك غريبا أو بدعة في ظلّ توجّه جماعي نحو التّجريد المرتبط بالعلامة التّراثيّة على شاكلة التّجريب الأدبي والمسرحي والموسيقي المستلهم للتّراث والمجدّد فيه من أجل هويّة فنّية وثقافيّة تساهم في بناء الوعي بمتطلّبات الفترة. وفعلا كانت مرحلة صعبة... مرحلة بناء يهيّئ للإقلاع. كيف نفهم هذا التّراث وكيف نوظّفه وهل من سبيل للتّعامل معه بآليّات الفنّ الحديث والمعاصر بفكر حديث ومعاصر أيضا ؟ إنّ الفهم والاستيعاب هما المؤهّلان الرّئيسيّان لكلّ عمليّة تصور. هذا هو المنهج الّذي اتّبعه بيدة في العمل الجماعي وفي المسار الفردي. من هنا تأسّس البحث المرجعي في مجال المفردات التّشكيليّة ليكون العمل من التّوثيق، فالدّراسة والفهم والتّحليل إلى التّوظيف وهو ما قام به بمعيّة أقران عديدين من السّابقين له ومن المعاصرين واللاّحقين. غير أنّ بيدة كان أشدّ تمسّكا بالمتون الفكريّة والفلسفيّة العربيّة القديمة والحديثة، فكان أن أضاف للفهم والتّحليل والتّوظيف حجّة النّص والمقولة والفكرة والنّظريّة. ومن ولهه باللّغة العربيّة نمّى قدراتها على استيعاب اللّغة للفكر التّشكيلي الحداثي من خلال كتاباته النّظريّة والنّقديّة ذات العمق الفلسفي والإبداع اللّغوي النّاحت للمصطلحات والمبتكر لجهاز من المفاهيم والاصطلاحات الّتي جادت بها أبحاث الفنّان والباحث العلمي.
كان الفنّان وما زال يسعى إلى أن يقترن الفعل في الفنّ بالفكر والكتابة، لذلك يسعى إلى إحاطة عمله بالكتابة فعلا متواصلا لعلّه يظفر من خلالها بكنه خاصّ من المتعة الّتي قلّما تتوفّر مواصفاتها في الحقل التّشكيلي المحلّي والإقليمي فهو من القلائل الّذين يكتبون موازاة للرّسم، بمعنى يقدّمون لأعمالهم وهي عادة نادرة بأوساطنا التّشكيليّة و هذا ما يجعل إمكانية التّورّط في خانات التّداخل بين النّصّي والتّشكيلي واردا في تناول أعماله التّشكيليّة، وأظنّ أنّ البحث في التّوازي بين الخطاب الصّوري والخطاب اللّغوي هو الأجدى عند قيام التّناظر بين العملين أو ما يطلق عليه بيدة نفسه الجدل الأزلي إذ يقول: "إن التّعبير عن الفكر يمكن أن يكون بواسطة اللغة كما يمكن التعبير عنه بالعمل، فالعلاقة بين الفكر والعمل من ناحية والعلاقة بين العمل واللغة من ناحية أخرى جدلية أزلية".
تترجم الصّياغات الأولى، الّتي ركّز فيها الحبيب بيدة على الإيقاع والتّراكم والحركة الحلزونيّة رغبة في استيعاب المدروس وفي الانضباط إلى إملاءات القناعة، الّتي تولّدت لدى الرّسام إبّان الفترة الدّراسيّة وهي قناعات تبدو للوهلة الأولى على علاقة بالمتن التّراثي وبالبحث عن مخرج لأزمات الهويّة التّشكيليّة، إلاّ أنّ الرّسام وجد في الحريّة وفي الابتعاد عن الإلزام منهجا يمكّنه من محاورة العلامات والأشكال بأسلوب أكثر تدفّقا وشاعريّة واقترابا من ذاته أو لنقل أكثر صدقا مع الذّات ومع تشكّلات الإبداع. لذلك تعمّد المباعدة بين المرئي الماثل وبين الإبداعي المتخيّل، الّذي يطلق عليه نور الدّين الهاني اصطلاح «الأثر المنسيّ» في إشارة إلى استنهاض القوى النّفسيّة للّاوعي في بواطن الفنّان في حين يطلق بيدة عليها اصطلاح العلامات المهملة، أي تلك العلامات الّتي يقفز فوقها وعي وانتباه العاديّ من النّاس في تأكيد على قدرة الفنّان على استيعاب اللاّمرئي عند الآخر.
بعد فترة من جسّ النّبض ومن مراودة البناء التّشكيلي الإيقاعي بتنويعات مختلفة ومتجدّدة، فاضت أعمال الحبيب بيدة بنغميّة غير معهودة، موسيقى التّنقّل البصريّ، إيقاعا عموديّا وأفقيّا تصاعديّا أو ممتدّا وأحيانا نازلا أو منعرجا لذلك لا تخضع التّراكيب للمنطقيّة بقدر ما تنزع للتّواصل بين الحالة الحسّيّة والشّعوريّة للفنّان وبين الوعي بالضّرورات التّقنيّة والاختيارات الجماليّة الّتي لا تحيد عن القناعات المعرفيّة. فيحيل التّفريع التّقني والتّفريع التّركيبي إلى شيء من المغايرة من لوحة إلى أخرى...فهذا الفنّان تنبّه إلى مأزق تكرار نفس التّجربة وتمحور الذّات حول نفس الموقع. فانبرى يختبر القدرة على التّنويع الّذي يأخذ السّمة التّوليديّة.
هكذا أثبتت الأعمال الأولى أنّ الانصياع إلى الأبعاد المفاهيميّة والرّمزيّة لا يعطي للوسائط من خطّ ومن لمسة ومن لون ومن مساحة قوّتها وذاتيّتها المطلوبة. فانفجرت التّراكيب وحلّ التّذكّر الآلي عوضا عن الاختزان والتّطويع وانبعثت الحركات بحريّة البراءة عوضا عن تمكّن العارف وتخلخل الإيقاع من الانتظام القصدي إلى الرّقص الحرّ وأضاءت الألوان من ذاتها ومن ذبذباتها حتّى غدت اللّوحة نوعا من اللّعب الحرّ المتحلّل من المرجعيّة.
لقد سارت تجربة الحبيب بيدة نحو نوع من المباعدة عن المنطلق الأصلي حيث مرّ الفنّان إلى محاورة أدواته المتعدّدة بدءا بالذّات وما تبتغيه من العمل التّشكيلي وصولا إلى العمل ذاته بوصفه مجموعة من العناصر المؤلّفة لوحدة هي اللّوحة. ولم تكن المخيّلة أو التّخيّل أو الخيال نفسه معضلة عند الرّسام بل، كان الإشكال لديه قائما على أصول تشكّل الصّورة على غير ما أنتج من قبل أو بغير أب يسندها، فاختار أن يكون المنهج المنتج للفنّ منبثقا عن التّقنيّة وعن تراكم الممارسة لتضحى العمليّة الإبداعيّة في نهاية الأمر استقراء تقنيّا وحسّيا لتفاعلات المواد ولانبعاث الأشكال سواء من رحم الذّاكرة أو من تراكم الفعل ومن تشافّ المواد وبذلك برز الاهتمام بالضّوء في أعماله التّسعينيّة وما بعدها، مركّزا على الطّبقة العليا من اللّوحة، فالحبيب بيدة يدرك جيّدا هذا البعد من الحضور اللاّفت الّذي تتمتع به الإضاءات المنبعثة من الألوان بحكم التّراكم النّوعي في مستوى المعرفة والتّراكم الكمّي في مستوى الممارسة. هكذا يصبح الخيّال عند بيدة فاعلا يولّد الصّور من رحم يخترق المعتاد من الماضي والمتوفّر في الحاضر كي يقيم في المستقبل بحسب ما يحدّده "غاستون بشلار".
توصّل بيدة إلى إكساب أعماله نوعا من الشّاعريّة الّتي تراود العين أثناء المشاهدة ويبدو أنّ ذلك كامن في أسلوبه التّوليديّ القائم على توظيف التّداعي الّذي نعرفه في الكتابة الشّعريّة والأدبيّة عموما، إنّه تداعي الأشكال والحركات والخطوط وانتشارها مثلما أرادت لها الوضعيّة الحدث الّذي يطرد فيه الفنّان كهولته العارفة ويستدعي طفولته الأبديّة، ذلك أنّ الفنّان يسعى إلى إحياء الطّفولة المكبوتة ليصنع منها فضيلة الإبداع الكبرى بينما الطّفل يغادر الطّفولة الّتي تهجره رويدا رويدا بواسطة النّضج البسيكوسوسيولوجي كما يشير الى ذلك "باسّرون".
هكذا تحوّل اهتمام بيدة في البحث من خلال جماليّة الشّكل والعلامة إلى البحث في جماليّة اللّون الوسيط الأكثر تأثيرا على التّلقي وإن كانت الأحلام تأتي ضبابيّة لا يتبيّن المرء منها ألوانا ولا قيما ضوئيّة، فإنّ ما سعى بيدة إلى تحقيقه بروح من الشّاعريّة في المراوحة بين الحقل اللّغوي والحقل التّشكيلي هو نوع من المراوحة الأخرى في الإقامة بين الرّؤية والرّؤيا، نوع من الارتقاء باللّحظة أو بزمن الإنشاء التّشكيلي من الإبصار إلى السّماع المرئي، أو لنقل الانتقال بالظّاهر إلى الباطن ثمّ الارتداد إلى الباطن في إيمان مطلق بالذّات لعلّ تجد في ذاتها مآلا أضحى عند الآخر صعبا.
عموما اختار الحبيب بيدة مع لوحته الحوار الذّهني المتولّد عن القراءة وعن الجدل بين اللّغة التّشكيليّة واللّغة المكتوبة والملفوظة أي الفكر وسعى إلى أن تكون مرجعيّة الذّات ذات حضور ضالع في عمليّة توجيه ممارسته بعد كلّ مرحلة، وقد أثبتت كتاباته لمعارضه الشّخصيّة هذا الطّرح، حيث أرفق معرضه الشّخصي لسنة 1992 بنصّ تقديمي يختلف عن النّص الّذي قدّم به معرضه الأوّل في بداية الثّمانينات. ولئن تغلّبت النّزعة الذّاتيّة في اتّجاه القطع مع التّشكيل المُسِنَدِ بالمرجعيّة الأكاديميّة من صيغ تركيبيّة ومن ضوابط تقنيّة فإنّ هذا البعد من البحث عن الأصالة من خلال مقولة الحداثة الواعية الّتي يحاور بها المتن التّراثي شكلا ولونا ونصّا فإنّ المراحل المواليّة قد استنفرت الذّات الّتي تؤرق الفنّان من خلال القضاء على «التّصوّر بالضّرورة»” إلى بناء «التّصوّر بالعمل» أو بالفعل التّشكيلي المباشر. وتعدّ هذه الممارسة، ممارسة التّحلّل من الخارج، تحرّرا مشروطا بالذّات فقط، وهذا ما يبرّر تأكيد بيدة على اصطلاح البساطة أو لنقل العفويّة. لقد أصبح الفنّ عند بيدة معادلا للحركة الحياتيّة بين ماض وحاضر ومستقبل تعبّر عنه الصّور المنتجة بمجهود جسدي وبأدوات تقنيّة حرّة.
بيدة الباحث
لا يمكننا أن نتحدّث عن بيدة الفنّان دون أن نغفل بيدة النّاقد والباحث والأستاذ والمؤطّر. وهي مجالات كان للحبيب بيدة ومازال حضور كبير وفاعل فيها. ومنذ بحثه المقدّم للحصول على دكتوراه المرحلة الثّالثة، ظهرت بوادر الإلتزام لدى الفنّان الباحث. هو التزام باللّغة «العربيّة» وبالمتن التّراثي. وفي قراءته لمخطوطات القرن التّاسع بالمكتبة الوطنيّة نحت بيدة كمّا هائلا من المصطلحات والمقاربات وأضاف إلى رصيد اللّغة العربيّة ما كان ينقصها من آليّات تنمّي بها قدراتها على الغوص في مجال الجماليّات والفكر الجمالي. ويقول في ذلك : «إنّها ضرورة ثقافيّة بالأساس، حيث أنّ بعض المقولات التّشكيليّة الحديثة تظهر وكأنّها خلف غربيّ صرف، في حين أن الفلاسفة العرب قد درسوا الشّكل في مادّته وعلاقته بها جدليّا من ناحية وعلاقتهما بالإدراك البصري من جهة ثانية، زيادة عن الإدراكات الأخرى كاللّمس والسّمع ... إلخ وما ينقصننا في الدّراسات الحديثة المتناولة للتّراث هو غياب هذا السّند الهامّ الّذي يفسّر فنونا التّشكيليّة العربيّة الإسلاميّة في ذلك العهد....»، هذه هي القناعة الّتي دفعت بيدة إلى بناء هذا الجهاز المفاهيمي من المصطلحات والنّصوص الّتي يمكن للباحث أن يتسلّح بها في مواجهة قراءة الإرث الثّقافي العربي الإسلامي نصّا في الجماليّات وإبداعا مرئيّا. وقد ظلّ هذا الهاجس يراود شخصيّة الباحث فيه إلى أن قدّم بحثه للحصول على شهادة دكتوراه الدّولة بالصّربون في بداية التّسعينات بخصوص موضوع دقيق هو «محاكاة الطّبيعة عند العرب». وقدّم في هذا البحث حصيلة أبحاث أكثر من عشر سنوات فصلت بين البحث الأوّل والثّاني. وسعى فيها إلى دحض الأخطاء الواردة عند المستشرقين والعرب من دارسيّ الفنون الإسلاميّة والّتي قوامها نموّ فنّ الخطّ والزّخرف والرّقش التّجريديّين عند العرب والمسلمين بناء على مقولة التّحريم. ورأى أنّ قضيّة المنع الدّيني هذه لا تستند على أسس ومقوّمات علميّة تجعل منها مستندا نظريّا ومدخلا لدراسة الفنون الإسلاميّة، إذ فيها نوع من الحيف والظّلم تجاه الفنّان العربيّ المسلم أساسه الاستهجان والتقّليل من شأن الفنّان بربوعنا. ودلّل الأستاذ الدّكتور ومن خلال النّصوص الفلسفيّة لأمثال إخوان الصّفا والتّوحيدي وغيرهم أنّ الفنّ العربي قد ارتكز على مقولة «محاكاة الطّبيعة» في أرقى شكل من التّعبير عن تحقيق الذّات. وقد قارع أفكار الباحث ألكسندر بابا ديبولو والباحث العربي عفيف بهنسي مبيّنا أنّ مفهوم المحاكاة ليس بالضّرورة ما يمكن أن يستمدّ من المعاجم الغربيّة مثل معجم «لالاند» مستندا إلى مفهوم محاكاة الطّبيعة بوصفها "المحاكاة" إتيان الفعل بمثل الفعل، حسب معجم ابن منظور، وفيها ما يتضمّن محاكاة القوّة في إرادتها وقدرتها على منح المواد صورا لتضحي على ما هي عليه، وفق نظام متولّد عن فهم وإدراك بنية الكون لدى الإنسان العربي المسلم. ونلاحظ إذا كيف تعامل بيدة مع المحاكاة في مبدئها وجوهرها القائم على الإدراك العقلي والحسّي الباطني لما تنتجه الطّبيعة دون نقل خارجيّ للصّور المنتجة في الطّبيعة بحساب ما يعتقد الغرب من تصوّر مفهوم المحاكاة.
إلى جانب الإسهامات العلميّة العديدة الّتي قدّمها بيدة في سائر مهرجانات وملتقيات الفنون والفكر الجمالي تمتّع بخصلة نادرة قوامها عدم تسليمه بالموجود وسعيه الى المساهمة الميدانيّة في إرساء تقاليد نقد تشكيلي وفكري لم تكن السّاحة المحليّة والعربيّة تؤمن بها وبفاعليّتها وتواصل الدّرس بأسوار الجامعة مع العمل الآخر بمجهود إضافي أطّر فيه الحبيب بيدة معارض أصدقائه ومعارض التّجارب الّتي استأنس فيها حسّا إبداعيّا جيّدا وواعدا. وبمثل ما جدّد في اللّغة الأمّ ومنحها قوّة التّعبير حجّة وبرهانا معرفييّن في العلمي والنّظري أعطاه من جهده في مجال النّقد، إذ لم يبخل على الفنّ بما تجود به ألفاظه وقريحته من أفكار ومعاني تزيد للإبداع بهاء، فالقناعة لديه أن يكون النّقد إبداعا على الإبداع وإنشاء للمعاني.




.

 
  عدد زوار هذا الموقع 64697 visiteurs:شكرا  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=