عين على الفن التشكيلى
  الرسم التونسى المعاصر
 
 


الرسم التونسي المعاصر


  
لم يعرف تاريخ الفنون العربية المعاصرة، كالتي بالعراق أو بالمغرب أو بالجزائر أو بمصر، صراعا واضح المعالم وخفيّ كالصّراع الذي تطرحه وضعيّة الفنون التشكيليّة التّونسية في ما يسمّى بالتشخيص والتجريد
تحت عنوان استمراريّة التّشخيص، يشير علي اللّواتي إلى أنّ التّشخيص لم يخسر مواقعه في الفنّ التّشكيلي التّونسي في قمّة سيطرة الاختيارات التجريديّة موضّحا أنّ عددا غير قليل من التّجريد التونسيين قد تخلّوا عن أساليبهم القديمة للانخراط في تجربة إبداعيّة جديدة. فهل يعني ذلك أنّ التّجريد لم يقنع ممارسيه بالقدر الكافي ؟ أم أنّ المغامرة التّجريديّة لم تجد منافذ جديدة تؤمن استمراريتها ؟ أم أنّ للمؤثّرات الخارجيّة كالسّرياليّة والتشخيصيّة المحدثة عند الغرب كانت وراء التخلّي عن التّجريد لفائدة التّشخيص ؟ أو الاستمرار في التّشخيص بالنّسبة لتجارب سابقة ؟ 
إنّ تجارب، مثل تجربة الحبيب بوعبانة الجديدة أو الأمين ساسي منذ أواسط الثمانينات أو كذلك عودة الحبيب شبيل إلى التّشخيص بالإضافة إلى تغيّر مسار عادل مقديش نحو الحضور المكثّف للشّخصيات، تشكّل منعطفات في التّجارب الفنّية الفرديّة لكلّ رسّام من هؤلاء. كما تشكّل في نفس الوقت واجهة جديدة من الممارسة التشكيليّة التشخيصيّة ذات الصّيغ "الجديدة"، نقصد بذلك جديدة العهد على الفنون التشكيليّة التونسيّة. لذلك لنا أن نتساءل عن هذه التحوّلات لدى هؤلاء الفنّانين، خاصّة وأنّنا نلاحظ ذات الملاحظة التي أوردها علي اللّواتي بخصوص تمسّك العديد من الفنّانين بالتّجريد كخيار فنّي مثل رشيد الفخفاخ وابراهيم العزّاببي والناصر بن الشيخ ولطفي الأرناؤوط وسمير التريكي ونجيب بلخوجة وغيرهم. فهل يمكن أن نقول أنّ هذا التّشخيص محدث ؟ مع وعينا بأنّ التشخيصيّة الجديدة مصطلح غربي يفيد ويدلّ على تجارب تشكيليّة غريبة، لها تصوّراتها وعلى صلة وثيقة بتاريخ الرّسم الغربي كتجربة فرانسيس بايكن أو فلاريو آدمي وهارفي تيليماك وغيرهم ؟ وهل يمكن اعتبار ذلك من القطائع الايبستيمولوجية ؟ 
إنّ التّناظر أو التّوازي بين الوجه المحلّي للتّحديث في صلب التّشخيص و الوجه الغربي ليس ممكنا لاختلاف الحيزين الثقافيين لكلا لممارستين. وسوف نحاول في ما يلي تبيّن أوجه التحديث في ممارسة التّشخيص من خلال بعض التّجارب
تنطلق قراءات تاريخ الفنّ التّشكيلي بتونس من معطيات ثابتة، تتمثّل أوّلها في تأثير فنّ المستوطنين والمستعمرين في أرضيّة الفنون التشكيليّة كممارسة وثانيها في تمكّن مدرسة تونس من سلطة كبيرة في حقل الفنون التشكيليّة من خلال تصدرها لواجهة الأحداث وللمشهد الثقافي محليّا ودوليّا. وهي معطيات مؤثّرة لما تكتسيه من بعد تاريخي ومن سلطة تأخذ شكل الأبوّة كما تأخذ شكل العادات والتقاليد المتأصّلة في المشهد الثقافي المحلّي. لذلك وجب التنبّه إلى مدى حضور وإلى مدى تأثير هذه الممارسة التصويريّة المشخّصة، التي تعكس أبعادا مشهديّة على علاقة مباشرة بالواقع. لأنّ لهذا الحضور الممتد تاريخيّا ولهذا التاريخ المتمكّن من وسائله السلطويّة والإعلاميّة رواسب في التلقي والإدراك، غذتها فئة مثقفة لها علاقات بمدرسة تونس وفئة أخرى من أصحاب المجموعات ومن أصحاب الأروقة، التي لها منافع خلف الترويح الفنّي المشهدي الموروث عن الحقبة الاستعمارية وعن الرّواد. وهي عوامل وإن تضافرت، لم تنف ولم تمنع ممارسة تجريديّة عند بعض الرسّامين أعضاء مدرسة تونس كنالّو ليفي وآدقار النقاش أو عند الهادي التركي وحسن السّوفي أو صفّية فرحات. والقول بصراع بين التجريد والتشخيص ليس وجيها أو صائبا. ففي صلب مدرسة تونس نفسها أعضاء يمارسون هذا النّوع من الفنّ. فأين تكمن إشكاليّة الصّراع بين التّشخيص والتّجريد، بما أنّ المعلن من هذا الصّراع لا يتجاوز حدود الاتّهامات بالفلوكلور في اتّجاه مدرسة تونس وبالاستسهال واتّباع الغرب في اتّجاه الفنّانين الجدد؟ وهل يمكن حقّا، الإقرار بوجود قطائع ايبستيمولوجية في مسار الفنون التشكيليّة التونسية، خاصّة وأنّنا نعلم أنّ هناك العديد من الآراء المتضاربة حول مدرسة تونس وحول التّجريد منذ الستّينات ؟ 
يقدّم لنا كلّ من محمد بن مفتاح وعادل مقديش وفتحي بن زاكور عوالما سحرية يخرج فيها كلّ فنّان كائناته الآدمية على هيئة وفي شكل مستحدث بين الطرافة وبين التجاوز للأسلوب الأكاديمي. يقدّم بن مفتاح أعمالا مائية وأخرى محفورة وثالثة بتقنية الأكليريك. يطرح من خلالها رؤى تشكيلية تتداخل فيها المرجعيات بين المرجعية الغربية في مستوى التقنيات وممارستها حرفيا وبين المرجعيات الشرقية التي تتضح في تحويل شكل الجسد بمنحه فرصة الإنعتاق من الشكل الآكاديمي وإمكانية التشكل حسب تصورات ايروسية من جهة وحالمة من جهة أخرى. وبإحكام الخطّ يخرج الشكل من اعتياديه ظهوره إلى تعبير يسيطر عليه التبسيط والزخرف و الرهافة. ومع بن مفتاح ليس هنالك مشهدا مرسوما على الطّريقة التقليدية، بل هنالك لوحة تتشكّل بكائنات آدمية تخترق البعد الواقعي للإقامة في تداعيات الحلم. وهو ما يسمح بتمرير الرّؤى إلى سطح الّلّوحة، مشحونة بهواجس شخصية وبتجربة منفصلة تؤكّد ذاتيتها وخصوصيتها أكثر فأكثر. إنّ صور النساء المبسطة إلى حدّ تلامس فيه وجه المنحوت الشرقي للعصور الغابرة وكذلك التنويع في تأويل الشكل الآدمي إلى كائنات آلية وأخرى تعيش رهن حداثة واهية أعطت للتشخيص عند بن مقتاح أبعادا تشكيلية ومضامين فنّية وإنسانية تعكس عمق الإنساني في الفنّان الذي يتجاوز المجال المحلّي الضيّق دون أن يتنّصل من انتمائه إلى الثقافة الشرقية
أمّا بن زاكور فهو يقدّم من خلال كائناته المجنّحة وجها ملائكيّا لرسومه المتحركة. فهو يتّبع تقنيات المنظور من جهة ومن جهة أخرى يبسّط رسومه حتّى تغدو خطوطا قليلة العدد ووفيرة التعبير. فالأشخاص التي يرسمها بن زاكور متحركة تتملص من الجاذبية لترقص في الفضاء، يضفي عليها مسحة من الشفافية بالحجب ومسحة من الخيال بإضافة الأجنحة. وهو ما لم نتعوّده في الرّسم التونسي سابقا. وإذا ما تثبتنا جيّدا في الأبعاد المرجعية لأعماله لأمكن لنا تميز ثرائها وتوغّلها إلى حدود عصر النهضة، حيث نتذكّر رسومات الملائكة المجنّحة والوجوه المعبّر وهو ما حاول بن زاكور شحنه في لوحاته التي يتحوّل الكائن فيها إلى طائر يتلقّى النّور ويعكسه ويجوب الفضاء المضاء كالملاك، لذلك يعدّ مجدّدا شأنه شأن بن مفتاح رغم عدم تخلّيهما عن الصبغة الكلاسيكية في صياغة نسب الجسم الآدمي أو في التّأكيد على الرسم الخطّي
وفي زمن متقدّم، يفاجئ عادل مقديش محبّي الفنّ بصورة مستحضرة من الفضاء الأسطوري والخرافي والشعبي بالرّجوع إلى الجازية وسيرة بني هلال وبإستدعاء الصّور المتخيّلة شفويّا والمتناقلة مروية. فيحوّل هذه الخامة الابداعية إلى صور تستمدّ أسسها من الخيال ومن جميع أنواع المنمنمات التي تحتوي البعد الغرائبي، يصرّ في ذلك على أنّ فنّه ليس سريـاليّا نظـرا لأنّ المخيال العربي يحتوي هذه الأبعاد العجائبية بمعزل عن التنظير للحلم السريالي. وقد سعى عادل مقديش إلى كسب المعادلة بين حذق التقنية خطّيا ولونيّا وبين استلهام المرجع الأصلي الكامن في ايروسية التاريخ العربي والتاريخ الإنساني. وهو بذلك ينفي التأثّر المرجعي بالسريالية ويؤكّد على بعد تراثي بدأ في عمقه مختلفا عن أدوات فنّاني مدرسة تونس. وتستمدّ أعمال عادل مقديش وقار حضورها من بلاغة تقنياتها وكذلك من تمرّدها الدّاخلي وانسحابها إلى حضن أسطوري يؤسّس الوعي بغيابه والحاضر بالذكرى. ورغم ذلك تشمل مفرداته بعضا من أساليب فنّاني مدرسة تونس في إخراج مختلف وبمرونة أكثر شاعرية
أظهرت تجربة لمين ساسي تحوّلا نحو تشخيص حرّ بعد أن كان الفنّان تجريديّا. فمنذ أن استولت الأشخاص الأشباح على فضاء لوحته ولمين ساسي يحاول التنويع تقنيا وتركيبيا على مشهد لا زمان ولا مكان له، تنعتق فيه الأشخاص من جاذبية الواقع وتتحرك من ثقل تفاصيلها، إلى أن نمت في تجربته بوادر تجاوز وتنويع تقني ومادي بالأساس قدّم بها رؤى حالمة وتصوّرا جماليّا عميقا. فالثّراء الذي تحتويه تشخيصه الأمين ساسي ناتج عن تطلّع الرسام إلى عدم التقيّد وإلى محاولة الإخارج باستعمال أوضاع وهيئات الأشخاص وكذلك بتوجيه الإبصار لعبة بين الكائن والكائن. ليس هنالك حدّة في لوحاته كما أنّه ليس هنالك صلابة في تكويناته إلاّ في التّوجيه إلى الأفق وإلى الأعلى. وعادة ما تنجذب أشخاص الأمين ساسي إلى الأسفل وإلى الأمام. فالمتعة مختلفة عند الفنّانين ( بن زاكور وساسي ) إذا يطلق بن زاكور أشخاصه كالطّيور ويكبح لمين ساسي جماح أشخاصه كالخيول لذلك يصطدم المتأمّل في أعمالهما بتشابه شكلي إزاء إفتراق جوهري
تكمن اللّذة، في الأصل، عند بن زاكور في الإعتاق طريق للخلاص أمّا لدى لمين ساسي ففي القبض على اللّحظة الحدث وهو الجوهري حسب رأينا. بينما يختلف موقع كلّ من بن مفتاح وبن زاكور ومقديش وساسي من مشاهدهم المرسومة من منطلق اختلاف المقاربة التشخيصية في زمن الإدراك وأثناء التشكيل الفنّي. رغم أنّ المعطيات المرجعيّة تتّصل بعوالم جماعية كالحلم والرؤيا والتراث والتقنية وشرقية الرّوح وليس من أمر ثابت بينهم غير إصرارهم على معانقة المطلق في المشهد بمغادرة الواقع كمعطى تكرّس عند سابقيهم وعلى إخراج الأشخاص من الإطار المحلّي الثابت إلى محليّة تعبيريّة كلّ حسب آلياته وتقنياته
عندما غادر الحبيب بوعبانة تجاربه التجريدية وجد نفسه نموذجا لفنّه ومرجعا ذاتيا يعتمد عليه قبل كلّ شيء. لذلك اصطبغت أعماله بتمرد الفنّان على ذاته وبالتقاط التفاصيل الشارعية التي ميّزت لوحاته الأخيرة. فكان الهامه مرتبطا بلذّة الإقبال على الحياة وبألم ممارسة هذه الحياة في نفس الوقت وهو ما طبع لمسته بالحرية وباختراق أكاديمية الرّسم. فكانت الألوان والّلمسات وتحويل الأشكال الآدمية عن طبيعتها تقنيات تستلهم جانبا كبيرا من الوحشية ومن التعبيرية المتمردة في بدايات القرن العشرين، غير أنّ ما امتازت به أعماله من صدق ممزوج برؤية نقدية ثاقبة هو الذي شحنها بطابع خاص أنقذها من بؤرة المرجعية. فتّشخيصية الحبيب بوعبانة وإن تشابهت مع الكثيرين إلاّ أنّها تنحاز لمبدعها لأنّها تلتحم به وبحياته ذات البعد التفصيلي. لذلك يمكن أن نقول أنّ بوعبانة قناص للعابر يثبّته فيحوله مرئيا من شحوبه اليومي إلى نضارته اللّوحة
إنّ العيّنة الأخيرة التي نريد الإشارة إليها هي أعمال أحمد الحجري فهذا الفنّان ولدت تجربته بالخارج ونمت هناك. وشكل بعفويته وبفنّه الخام وجها جديدا من وجوه التعامل مع التّشخيص الحرّ الذي يجد صداه في حكايات ألف ليلة وليلة وفي المرويات الشعبية، حيث يحاول أحمد الحجري تجسيمها بمزاجية فيها طرافة السّرد والحكاية وذكرى الطفولة في تدفّق فطريّ يضمر تأثّرا برسم المنمنمة وغيرها من فنون الكتاب في الحضارات الشّرقية ولعلّ نجاحه في أوروبا ناتج عن توفيره لأعمال مطلوبة حسب اختيارات غرائبية الذّوق وهو ما مكّنه من تصدير تجربته إلى تونس مستعينا بالإعلام والنّقد الغربيين
من خلال هذه النماذج التي أتينا عليها يمكننا أن نصوغ مجموعة أفكار حول هذه التوجهات الجديدة في التّشخيص :
 
أوّلا: نشير أنّها تجارب منفصلة كلّيا عن بعضها البعض رغم تراسل بعض التجارب تقنيّا إذ نجد إمكانية التحاور بين بن مفتاح ومقديش من جهة وبن زاكور وساسي من جهة أخرى والحبيب بوعبانة وساسي في وجه ثالث وكذلك بين الحجري وبن زاكور في مستويات أقلّ.
 
ثانيا: تتمسّك هذه التجارب بعدم التّشبّث بتثبيت المحلّي بوصفه قيّمة جمالية لذلك تتأكّد مطلقيتها ورحابة انفتاحها على الذّاتي كمطلب ضمني للممارسة التشكيلية.
 
ثالثا: يصرّ كلّ فنّان على استقلاليته دون التحرّج من المرجعية، بل نلتمس في تجارب مثل تجربة مقديش وبن مفتاح والحجري تأكيدا على المرجعية، خاصّة التراثية.
 
رابعا: اختار هذه التجارب تكريس المستويات التقنية والتّواصل في العمل اليومي الأمر الّذي جعل من الفنّ مهنة أساسية ممّا مكّنها من اكتساب سوق جديدة رغم أنّ بعضها سعى إلى الحفاظ على حرفائه بالتّضحية بتعطيل تقدّم التجربة حتّى كأنّ ببعضهم أضحى يكرّر نفسه.
 
خامسا: تقدّم هذه التجارب مقترحات تشكيليّة وجمالية ذاتية تنهل من الحلم ومن الأسطوري لتنجز مشروعا متحرّكا لفنّ تشخيصي غير مقنّن ولا استشراقي، رغم أنّها تستجيب في بعض من ملامحها إلى قانون سيطرة صورة غرائبية وعجائبية يمتدحها الغربي قبل المحلّي.
 
خاتمـــة
تكمن الإشكاليّة الرئيسيّة ظاهريّا في قناعات الرسّامين و في اختياراتهم لكنّها تبطن اختلافات جوهريّة وممارسات ثقافية لها علاقة بالسّوق الفنّية من جهة وبتأثيرات أصحاب القاعات وأصحاب المجموعات الفنّية وكذلك يوجّه العلاقة مع الثقافة الغربيّة ومنها خاصّة الفرنسيّة. إنّه لا يمكن الحديث عن حركة تشكيليّة بتونس ولا في أيّ بلاد عربيّة أخرى فمفهوم الحركة والتّيار له دلالة سكركستيكيّة واضحة وكذلك أسلوبيّة منخرطة في تاريخ مرتاكم كتاريخ الفنّ الغربي. وحيث أنّ تجربة الفنون التشكيليّة في تونس مازالت حديثة العهد لا يتجاوز عمرها القرن وبضع السنوات، فإنّه لا يمكن الذهاب في اتّجاه التّنطير للقطائع أو القول بوجود حركات وتيارات. فنحن نلاحظ أنّ الفنّ التشكيلي التونسي ظلّ وعلى مدى أكثر من نصف قرن متبعا للسّلف الغربي من التيارات الحديثة يأخذ من الاستشراق ومن الانطباعيّة ومن الوحشيّة والتّكعيبيّة أدواته ووسائله بشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر. لذلك يمكن أن نقول بوجود إرهاصات التّجاوز والبحث عن الهويّة من داخل الممارسة المنقولة تصوّرا وتطبيقا.
 
إنّ تقسيم تاريخ الفنّ التشكيلي بتونس إلى حقب أمرا غير مجديا كما أنّ النّظر إلى تاريخ الرّسم بتونس بالاعتماد على المجموعات وتكوّنها ومساراتها لا يسمح بتحيين قراءة هذا التاريخ. لأنّ أهمّ ما يمكن استنتاجه هو تأسّس مدرسة تونس وتمكّنها من السّيطرة على أوضاع الفنون التّشكيليّة منذ خمسينات القرن العشرين إلى تسعيناته وبروز محاولات التّكتّل في صلب مجموعات أخرى لا أكثر ولا أقلّ .وحتّى وإن ظهر التّجريد متأخّرا واتّضح أنّه وجه من وجوه الانفلات عن مسار مدرسة تونس وعن أسلوبها فإنّه لا يعكس صبغة طلائعيّة اكتسبت حضورا مسيطرا على ساحة الأحداث التشكيليّة.
 
وفي خاتمة حديثنا هذا لا يمكننا أن نقرّ بوجود تشخيصية محدثة على أساس أنّها تيّار أو توجّه بقدر ما نرى في هذه التجارب محاولة لكسر طوق المتعارف عليه من بعد مشهديّ في تاريخ الفنّ التشكيلي التونسي وهي مبادرات فردية أثّرت المشهد الفنّي المحلّي وموّلته بإمكانيات جديدة أمام تعثّر المنحى التّجريدي عند البعض كما تعثّر به في الغرب. ولعلّه من الممكن القول أنّ الثبات على ممارسة لا تجد حلولا وآفاقا لأصحابها ليس سهلا فإنّ اتّجاه هؤلاء إلى التشخيص كان منفذا يستجيب إلى حاجات ذاتية ونفسية قبل أن تكون مادية والتي صارت في نهاية الأمر مكسبا. وقد يكون من الطريف أن ننظر إلى بعض أعضاء مدرسة تونس وهم يغيّرون في تقنياتهم وفي انتاجاتهم انخراطا في حركة التحوّل المتأثّر بلزوم ما يلزم في المجال التشكيلي.
 
__________________ 

ابراهيم العزابي

 

فنّ الرسم يعدّ فنا حديثا في تونس ظهر في أواخر القرن التاسع عشر مع ظهور الصالون التونسي (1994) انتظرنا عشريتين او أكثر بعد ذلك الحديث ليظهر رسام تونسي يرسم على طريقة الغربيين وباحساس خاص به وهو الرسام الذي يكنّى بأب الرسم التونسي يحيى التركي ( 1900 ـ 1969) وقد عاصره عديد الرسامين في ذلك الوقت منهم عبد الوهاب الجيلاني، علي بن سالم ثم ظهر حاتم المكي في الثلاثينات ثم عمار فرحات وجلال بن عبد الله والهادي التركي... وتواصلت فترة التأسيس لهذا الفن الحديث الى حدود السنوات الخمسين حيث قدم من اوروبا الرسامون الذين درسوا هناك وبدأ تأسيس الحركة التشكيلية الحديثة على يد جيل محمود السهيلي (1931) نجيب بلخوجة (1933 ـ 2007) عمر بن محمود (1938) اسماعيل بن فرج، خليفة شلتوت، الهادي التركي (1922) الحبيب شبيل وغيرهم، وفي الثمانينات بدأ تأسيس مهرجانات خاصة بالفنون التشكيلية بعد ان كانت تأسست في السابق مجموعات فنية على غرار مجموعة الستة والخمسة والاحدى عشر وغيرها من المجموعات التي كانت لها اهداف مختلفة أهمها فرض الاساليب الحديثة والخروج من الجمود الذي كان سائدا والمتمثل في التعبير الساذج او الفلكلوري الذي فرضه المستوطنون ففي حين كان الرسم في فرنسا وأوروبا عموما يشاهد تطورات جذرية منذ بداية القرن العشرين وحتى قبله فان المستعمرات العربية والافريقية لم تشاهد هذا التطور والحداثة وفرضوا عليها اساليب كلاسيكية او ما شابهها لا تعبّر عن واقعهم ولا تستجيب لطموحات الفنانين والعجيب ان البعض مازال يرسم على تلك الطريقة وهذه مسألة يطول شرحها..
تأسس اتحاد الفنانين التشكيليين سنة 1968 وشهد ركودا في بداية الثمانينات واسترجع انفاسه سنة 1984 وفي موسم 1987 في نوفمبر بالتحديد ساهم الاتحاد في دفع الحركة التشكيلية في تونس بالمساهمة في تأسيس مهرجانات الفنون التشكيلية ومن أهمها مهرجان المحرس الذي صمد وتواصل نجاحه ولا يزال وكان الفنان يوسف الرقيق عضو الهيئة المديرة للاتحاد هو الذي قدم مشروع تأسيس مهرجان الفنون التشكيلية بالمحرس الذي حظي بالموافقة وقد تحول في الدورة الاولى بحضور متميز لفنانين مثل: نجيب بلخوجة ولطفي الارناؤوط وسمير التريكي وقاموا بتدخلات تشكيلية تمثلت في انجاز جداريات وقد فتح السكان دورهم التي تحولت الى قاعات للعرض في الدورات الموالية واستطاع يوسف الرقيق ورفاقه من المحرس مثل اسماعيل حابة من اقناع السلط المحلية بأهمية هذه التظاهرة، كما سعوا الى تحويل المهرجان من جهوي الى دولي له صيت في كافة القارات كما سعى الرقيق الى ربط الصلة مع المنظمة الدولية للفنون التشكيلية حين كنت شخصيا رئيسا مساعدا لها وحين تولى هو عضوية المكتب التنفيذي فيها (1989 ـ 1991). بفضل المهرجان أصبحت مدينة المحرس بمثابة المتحف المفتوح وعلى غرار مدن مثل اصيلة بالمغرب فقد تخصص مهرجان المحرس خاصة في انجاز النحوت فالشارع الرئيسي الذي يحاذي البحر وقعت تهيئته ومازال ينتظر اكثر من ذلك وقد اصبح من اجمل الميادين والساحات في البلاد بفضل تلك المجموعة من الأعمال الفنية التي لكلّ منها خصوصية وهي تلخّص فعاليات الدورات المتعددة للمهرجان الذي فسح المجال للفنانين من مختلف بلدان العالم ان يتعارفوا ويتواصلوا وهذا من أسمى الاهداف والقيم التي سعى اليها وحققها يوسف الرقيق ورفاقه.
 


الفنان التشكيلي التونسي الهادي التركي


ولد في 15 ماي 1922 بتونس العاصمة. درس الهادي التركي فن الرسم في أكاديمية روما للفنون الجميلة بروما في أواسط الخمسينات، وعمل أستاذًا بالمدرسة الوطنية للفنون بتونس من 1962 إلى 1989 كما تحصل على عضوية الاتحاد العربي للفنون التشكيلية و عضوية الهيئة التنفيذية للجمعية العالمية للفنون التشكيلية التابعة لليونسكو بالإضافة إلى انتخابه مستشارًا مدى الحياة للجمعية العالمية للفنون التشكيلية في مؤتمر الجمعية سنة 1978.

تحصل الفنان الهادي التركي سنة 1986 على وسام الفنون والآداب الفرنسي وفاز سنة 1989 في تونس على وسام الاستحقاق الثقافي. زار جل دول العالم معرفًا بفنه ومدافعًا عن مدرسة تونس في الرسم وأبدعت ريشته أكثر من ألف لوحة.

الهادي التركي يعد رمزا من الرموز الفنية في تونس. تميز الهادي التركي ببحثه عن التواصل بين الأصالة والحداثة وتنوع الأنماط الفنية التي يحرص على تقديمها (تتنوع النماذج النسائية في رسوماته من المرأة الشابة إلى الأم إلى المرأة التقليدية). كما تميز بخصاله الإنسانية وبتأثير البيئة والتربية العربية الإسلامية في فنه.

يوفر الفنان الهادي التركي صورة عن عمق البعد الإنساني بالمعنى الفلسفي للعبارة أو لنقل بالمعنى الأدبي لها والأدب هنا إنما هو التجربة العميقة التي يضطلع بها الأديب بالمعنى البعيد في الأدب العربي عندما كان الأدب يزخر بالمعاني الراسخة في أعماق الإنسان كالتوحيدي والمتنبي والمعري وقبلهما أبي نواس والجاحظ... ومعنى التجربة البشرية الأصيلة الطاقة لدى الفنان على أن ينوس بفنه بين الأقطاب الدلالية المتناقضة فيعبر عن الآلام كما عن الأفراح وعن الشقاء كما عن السعادة وعن الرذيلة كما عن الفضيلة فهو القادر على أي يجمع في فنه بين القيم التي تتضارب بل تتزاحم على نوع من التنافر شديد، لهذا المعنى مستقر عند الفنان الهادي التركي ومترجمه الى العناصر التالية:

ـ توفر شخصية الفنان الهادي التركي مخزونا من القيم الأصيلة لا تحتاج الى البرهان إذ أنها معلومة بالضرورة كما كان يقول الفقهاء ومنها العفوية ومحبة الناس والتلقائية وعفو البديهة الى درجة يكمن فيها من الغلو أحيانا ما يطرح السؤال هل إن الرجل معدن صاف من هذه القيم الأصيلة تأتي اليه صلحا أم يدور حولها ما يظن أنه لا يأتي إلا عنوة لغايات غير معروفة. ولا فائدة في إرهاق النفس بالأسئلة الدائرة على سوء الظن لأن للرجل طبعا قدّ على الطهارة وكثير من الناس قد لا يعلمون للطاهرة من سبيل؟

ـ تؤتي لوحات الفنان الهادي التركي ثمارا مختلفة عن الشخصية التي رسمنا لها بعض الملامح وإن هي عنها تنطلق وإليها تعود. إن للتجربة البشرية العميقة في آثار الهادي التركي منابع شتى تتآزر لتصل الى بعد جامع تمثلناه على كونه الرسم بالمنعطفات المتضاربات. ومعنى هذا أن اللوحات للفنان الهادي التركي وهو أحد أركان مدرسة تونس في الفن التشكيلي إن لم نقل إنه أحد بناتها الكبار، تجدف ضد تيارالسهولة والانبساط والعفوية فاقدة المرجعية إنها الصورة الجامعة المؤدية لخطاب فني جمالي عميق ترى فيه المتناقضات والمتنافرات حشدا يبدو مقصودا وهو ينزع نحو التمرد والرفض بسخرية تنطق عنها الألوان والأشكال وتقنيات الفن التشكيلي. فما وجدنا من طهارة في شخصية الفنان تتحول الى مساءلات في أعماله الفنية وكأن الفن إشكاليات وقدرة على نزع السحرية عن طابع الحياة السعيد المأخوذ بعفو البديهة. إن للفن عند الهادي التركي طاقة على استنفار المنشود من خضم الوجود، الموجود المائل الى القذارة يجمله الفنان التائق الى الأدران يطهره الفنان الساعي الى المغالاة والتطرف وهو يلين مع الفنان فما يبدو عصيا في ساحة الوجود العملي يتحول في مخبر الفنان الفني الى استفهامات لعلها تؤول الى إبداء ملاحظة فيها قدر من المجازفة أليس للفنان الهادي التركي السبق الإبداعي بعد إصلاحي جدير بأن ينتبه إليه النقاد؟ أليس الفن عنده مطية لدور اجتماعي مهم

الفنان التشكيلي والنحات عمر بن محمود

ولد الفنان الراحل في مدينة القيروان ودرس الفنون الجميلة بتونس قبل أن يلتحق بفرنسا حيث واصل دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس بين عامي 1958 و1966 ثم درس في المدرسة العليا للفنون الجميلة بتونس بين عامي 1966 و1999 .‏

وينتمي الفنان الراحل الذي يعد من أبرز النحاتين الى ما يعرف بمدرسة تونس وقد سبق له المشاركة في العديد من المعارض الفنية سواء بصفة منفردة أو جماعية بتونس وباريس .‏

وتراوحت أعماله بين الفن التجريدي والتشخيصي ومثل البحر محورها الرئيسي .‏

كما ساهم النحات عمر بن محمود في نحت تمثال ابن خلدون وسط تونس العاصمة وله أيضا عدة منحوتات أخري من بينها تمثال الشهداء بالسيجومي

عبد العزيز القرجي
 

 من"أبرز رواد الحركة التشكيلية في تونس واحد مؤسسي مدرسة تونس للفن التشكيلي واكثرهم سعيا الى الابتكار والتجديد".

 وساهم القرجي في تأسيس مدرسة تونس للفن التشكيلي عام 1968. كما أسس "رواق القرجي" عام 1973، وشارك في العديد من المعارض داخل تونس وخارجها، أبرزها بالولايات المتحدة عام 1951 وميلانو بايطاليا عام 1954 وجنيف عام 1973 وبروكسل عام 1982.، إلى جانب مساهمته في رسم العديد من اللوحات الحائطية التي تزين حاليا واجهات بعض المؤسسات الحكومية التونسية. واتخذت رسومه للطوابع الوطنية.

وحصل القرجي على عدة جوائز من بينها الجائزة التقديرية في ميدان الفنون التشكيلية عام 1990، ونال عام 1999 (وسام الاستحقاق الثقافي من الدرجة الممتازة) في إطار احتفال تونس بيوم الثقافة، إضافة لجائزة رئيس الجمهورية للإبداع الثقافي عام

 
  عدد زوار هذا الموقع 57387 visiteurs:شكرا  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=